لا أعتقد أن الثقافة المحافظة التي تركز على الخصوصية هي فقط السبب في خجل النساء من مرض سرطان الثدي، وتكتمهن في حالة الإصابة به. وذلك كما قالت الطبيبة السعودية الشجاعة سامية العمودي في معرض حديثها عن تجربتها مع المرض في لقائها مع السيدة لورا بوش
عندما زارت الأخيرة الشرق الأوسط قبل أسبوعين كجزء من شراكة أمريكية - شرق أوسطية لرفع الوعي بسرطان الثدي ودعم البحوث في هذا المجال. ولكن القضية في تقديري قضية ثقافة لم تعتد المواجهة والمكاشفة في حال الاصطدام بالمصاعب، ولا الاعتراف بالأمراض الخطيرة سواء تلك الجسدية منها أو الاجتماعية الثقافية !فليس فقط سرطان الثدي الذي يستدعي الخجل والتكتم في مجتمعاتنا، ولكنها ثقافة تنتهج الصمت وإخفاء الرؤوس في الرمال وكأن الهرب من المواجهة وادعاء أن الأمور على ما يرام سيحل المعضلات ويقضي على الأمراض ! وكأن الإنكار سيحل الإشكالات المعقدة وسيقضي على التباساتها ؟ فسياسة التجاهل تظل سارية المفعول، حتى تقع (الفأس في الرأس) وحينها فقط تتم المواجهة بعد أن تكون الأمور قد خرجت من مساراتها وأضحى إصلاحها ضربا من المستحيل !
ونتيجة لهذه الثقافة يجبر الخطاب الاجتماعي الناس على التعتيم والتكتيم وإحاطة أنفسهم بالسرية الشديدة في حال إصابتهم بأمراض خطيرة، فيحمل المريض معاناته داخل ذاته وينسحب إلى قوقعة تبعده عن عيون الناس وتقصيه عن نظراتهم الفضولية، اتقاء لعبارة جارحة أو تحديقة متحسرة.. وحرصا على كبريائه من عيون تتهدل شفقة وحزنا، لا تحسن التعاطي مع آلامه وليس لها قدرة على دعمه في مواجهة مرضه، بل تسهم في انسحابه داخل معاناته ومضاعفة آلامه وعذاباته.
وكان الكاتب الكويتي أحمد الربعي قد تحدث في لقاء تلفزيوني بعيد عودته من رحلة استشفاء في الخارج من مرض خطير عن ثقافة المواجهة وأهميتها في شفاء الأمراض ومقاومتها، وعن افتقار ثقافتنا العربية لأدبيات الشجاعة في مواجهة الأمراض وعن ضرورة تثقيف أهل المريض ليتسنى لهم مساعدته في مواجهة مرضه وتخفيف معاناته. وقد أكبرت شجاعة الرجل كما أكبرت شجاعة الدكتورة سامية العمودي وهي تكتب زوايتها الأسبوعية في جريدة المدينة متحدثة عن تفاصيل مرضها وكيفية اكتشافها له ورحلتها الشاقة معه، فاستحوذت على قلوب القراء وأرواحهم فتابعوا مسيرتها الوعرة والمقتضية الكثير من الصبر والإيمان والشجاعة، فضربت لهم مثلا حيا على ثقافة المواجهة . ولا شك أن الدكتورة العمودي كانت تروم من تلك المكاشفة تهشيم حواجز الخوف التي تحيط بهذا المرض في مجتمعنا والتأكيد على أنه مرض ككل الأمراض، يمكن الشفاء منه ومقاومته وأن للإيمان بالله تعالى ولإرادة الشفاء دور مهم في محاربة المرض والوصول إلى مشارف الشفاء والخلاص من براثنه.
تلتبس الإصابة بالمرض في مجتمعاتنا بالعقاب الإلهي، ولذلك يعتبر الاعتراف بالمرض في ثقافتنا من احد المحاذير التي يخشى معظم الناس الاقتراب منها خوفا من إحالته إلى عقاب الهي يحيق بالمريض نتيجة بالطبع لمعاصيه أو خطاياه ! فيبدو المبتلى بالمرض وكأنه يدفع عن نفسه تهمة الخطيئة أمام المجتمع.. تلك الخطيئة التي جعلته فريسة للمرض وتسببت في معاقبته في عرف الكثيرين ! وقد سبق أن رأينا أصابع الاتهام توجه للمذيعة المتألقة ريما الشامخ عندما أصيبت بالمرض، وهي تؤدي عملها فقيل ان الله يعاقبها على كشف وجهها وظهورها الإعلامي، وكأن الحجب قد تكشفت لمتهميها ! أو كأنهم رقوا إلى السماء فأطلعهم الله على غيبه ! وتلك لعمري قضية خطيرة تتداخل مع ادعاء حراسة الفضيلة وجاهزية واستسهال إطلاق الأحكام على عباد الله !
وهنا يتوجب فك الالتباس بين الإصابة بالمرض والعقاب الإلهي، فثقافتنا الإسلامية لا تعتبر المرض نتاجا للمعصية أو للخطايا، بل تعتبره ابتلاء يمحص المؤمن ويقوي إيمانه ويضاعف أجره حين يصبر ويحتسب. وتؤكد أن دفاع الإنسان عن نفسه ووقوفه في وجه المرض وتمسكه بالأمل وتشبثه بالحياة دليل على قوة الإيمان ورضا الإنسان بما كتبه الله عليه، بل إن الإيمان بالله يستدعي التمسك بالحياة والحرص عليها فهي هبة من الخالق سبحانه وتعالى بادئ ذي بدء، ويقتضي مواجهة المرض بعزيمة صلبة وإرادة قوية حتى يتم دحره والقضاء عليه، وقد كان النبي أيوب عليه السلام أشد الناس ابتلاء بالأمراض.
على الجانب الآخر، تعتبر مواجهة المرض والاعتراف به إحدى مفردات الثقافة الغربية، وعادة يلجأ الطبيب إلى مصارحة المريض بطبيعة مرضه، وتهيئته نفسيا لمواجهة المرض وتبيان تفاصيل العلاج وما يمكن أن يصادفه من صعاب في رحلة العلاج. كما يتم تهيئة أهل المريض حتى يساندوه ويدعموه . فلا تجد المريض هناك يخجل من الخروج على الملأ بشعر متساقط أو بوجه باهت أو ملامح منهكة، بل يستمر في حياته بطريقة تلقائية وطبيعية تسهم كثيرا في تخفيف معاناته. ولاشك أيضا أن الجهل بالمرض في ثقافتنا وعدم معرفته يساهم في تصويره وكأنه (بعبع)، كما أن إحاطته بقضبان شائكة من التكتم تزيد من فزع المريض وتضخم الأمور فينهزم نفسيا وبذلك يتمكن المرض منه ويطبق على أنفاسه !
تجاهل الأمراض وإنكارها سواء تلك الجسدية منها أو الثقافية لن يوصلنا يوما إلى التخلص منها، ولابد من المواجهة الشجاعة والاعتراف بالعلل فهي الطريق الناجع للخلاص والشفاء!
* أمل زاهد
المصدر:
أكدت الحملة الوطنية للتوعية بسرطان الثدي تحت عنوان " للاطمئنان أفحصي الآن " أن وضع المصابة بسرطان الثدي قد يختلف عن الأمراض الأخرى من الناحية النفسية بإعتبار أن هذا المرض يجعل المرأة تعيش في حالة نفسية متقلبة لأنها في صراع دائم مع المرض على أمل أن تتجاوز معاناتها .
وقال استشاري الطب النفسي الدكتور محمد الحامد في إطار نشاطات الحملة " من المنظور النفسي نجد إن للإنسان كتلة من المشاعر والأحاسيس وبالتالي فإن أي عارض يصيبه فإن معاناته تترجم إلى تقلبات في حالته النفسية بمعنى إن القلق والتوتر يسيطران عليه وهو رد فعل طبيعي للمصابين أو المصابات بأي أمراض مستعصية " .
واضاف إن جميع المرضى يختلفون في درجة ومراحل قلقهم وتوترهم فهناك من يكافح ويصارع من أجل العلاج مؤمنا بقضاء الله وقدره ، وهناك من يستسلم لمرضه وكأن حياته انتهت وهذه المشاعر بالطبع تنعكس سلبا على صحة المريض وتتدهور حالته أكثر وربما تنتكس لأنه لم يساعد نفسه في تجاوز معاناته مع المرض ، وقد يكون هذا المريض معذور في هذه المشاعر لأنه يعيش في حالة صراع قد يسيطر عليه الإحباط من فترة العلاجات المطولة .
وبين أن المصابة بسرطان الثدي ينتابها شعور بالخوف يطاردها بين فترة وأخرى لأنها تترقب المجهول في أي وقت وخاصة إذا وصل بها المرض إلى مراحل متأخرة ، وهذه الانعكاسات النفسية هي رد فعل طبيعي للحالة لأن النساء المصابات يشغلهن هم واحد ويحدوهن الأمل بتجاوز مرضهن.
وكشف الدكتور الحامد بأن مرض سرطان الثدي من الأمراض التي شغلت هاجس النساء في كل مجتمعات العالم وهذا الأمر الذي يدعو إلى تكريس التوعية الصحية وسط النساء من خلال الحملات والندوات والمحاضرات التي تتناول التعريف بالمرض وكيفية الوقاية منه وأهمية الكشف المبكر .
وشدد الحامد على ضرورة التركيز على أمور عديدة منها تفعيل البرامج التوعوية التي تهدف إلى التعريف بسرطان الثدي والوقاية منه ومواصلة إقامة الحملات التوعوية في كل مناطق المملكة وتوزيع المطبوعات والمطويات التي تتناول سرطان الثدي في المناسبات النسائية والجامعات وتفعيل دور وسائل الإعلام في هذا الجانب حيث أن هذه الوسائل تسهم بدور كبير في التعريف بالمرض والوقاية منه إلى جانب إنشاء مراكز تتبع لوزارة الصحة متخصصة للفحص المبكر ودعوة النساء لإجراء الفحص بأسلوب لا يثير فيهن الخوف.
وقال "إن مريضة سرطان الثدي في أمس الحاجة إلى من يقف بجانبها ويخفف عنها معاناتها وهذا الدور يقع على عاتق الأسرة المحيطة بها والمجتمع لأن التخفيف من حالتها النفسية نصف العلاج " .
المصدر:













