الطهو والمعالجة بالحرارة يقضيان على الإنظيمات الهاضمة
سلسلة من التجارب تقود إلى اكتشاف دورها في التغذية وبدونها لا يستطيع الجسم هضم الطعام
يعتبر العلاج بالإنظيمات (الإنزيمات) اتجاها جديدا في التغذية، ولكن له جذور تاريخية. حيث عرفت كثير من المجتمعات العلاج بالأطعمة الغنية بالبكتريا النافعة وبالتالي الإنظيمات منذ قرون. فالزبادي واللبن الرائب والخضراوات المخمرة مثل الساوركراوت ومنتجات الصويا المخمرة مثل التوفو والتمبه تؤكل لخصائصها الغذائية والعلاجية.
أما على الصعيد الطبي ففي بداية القرن الماضي قام الطبيب الاسكتلندي جون بيرد بعلاج مرضاه، خاصة المصابين بالسرطان، بخلاصة سوائل البنكرياس الغنية بالإنظيمات من عجول فتية ذبحت حديثاً حيث كان يحقن الخلاصة في العروق أو في المناطق التي فيها أورام. وكان العلاج فعالاً لدى عديد من المرضى وإن عانى بعضهم من نوبات من الحساسية لأن سوائل البنكرياس غير النقية كانت تحتوي على بروتينات غريبة على أجسام المرضى. وقد سجل الدكتور بيرد النتائج الناجحة لعلاجه 170مريضاً بالسرطان في كتابه "علاج السرطان بالإنظيمات وأساسه العلمي" The Enzyme Treatment of Cancer and its Scientific Basis الذي نشر عام 1907م ولكن طريقته بالعلاج بالإنظيمات لم تستقبل استقبالاً حسناً في الوسط الطبي ولم يطرأ على الموضوع جديد إلا عام 1930م عندما قدم الدكتور بول كاوتشاكوف ورقة في المؤتمر الدولي الأول للأحياء الدقيقة الذي عقد في باريس عن تأثير طهو الطعام على صيغة دم الإنسان. وقد أوضح في ورقته أن تكاثر كريات الدم البيضاء الهضمي يحصل كلما تناول الأفراد كباراً وصغاراً أطعمة مطبوخة.
وتكاثر كريات الدم البيضاء هو الزيادة السريعة في كمية ومستوى نشاط كريات الدم البيضاء في الدم بسبب وجود محفز (هو الطعام المطبوخ غير المهضوم الذي يتسرب إلى الدم من خلال غشاء الأمعاء الدقيقة). وكانت الزيادة متوسطة في حالة الأطعمة المطبوخة والمعلبة. أما حين تكون الأطعمة معالجة، مثل اللحوم المحفوظة كالهوت دوغ والمرتديللا وغيرها من الأطعمة المعالجة فإن زيادة كريات الدم البيضاء تكون كبيرة وكأن الجسم أصيب بتسمم غذائي! والفرق الوحيد هو عدم وجود البكتريا التي توجد عادة عند حدوث التسمم الغذائي. فالأطعمة المطبوخة تفتقر إلى الإنزيمات الضرورية مما يجعل الجسم غير قادر على هضمها. وقد أشار الدكتور كاوتشاكوف في ورقته إلى أنه لا توجد زيادة في عدد أو نشاط كريات الدم البيضاء لدى الأشخاص الذين تناولوا أطعمة نيئة لأن جميع الأطعمة النيئة تحتوي على إنزيمات تعين على هضمها.
وفي الأعوام 1932م و1942م قام الدكتور فرانسيس بوتنجر الابن في كاليفورنيا بأكثر الدراسات الطبية الغذائية إثارة للاهتمام. وقد استمرت دراسته عشر سنوات وشملت متابعة أكثر من 900 قطة لأربعة أجيال من حياتها. وخلال تلك الدراسة المثيرة قام الدكتور بوتنجر ببساطة بمتابعة غذاء تلك القطط، حيث قدم للمجموعة الأساسية حليباً غير مبستر وزيت كبد الحوت ولحوما مطبوخة. أما المجموعة الثانية فقد قدم لها لحوما غير مطبوخة وحليبا مبسترا، والثالثة لحوما مطبوخة وحليبا مبستراً، أما المجموعة الرابعة فقد قدم لها لحوما نيئة غير معالجة وحليبا غير مبستر. وكان من المفروض أن تهز النتائج التي توصل إليها الدكتور بوتنجر أركان الوسط الطبي ولكنها كالعادة مرّت مرور الكرام على الرغم من أنه سجّل ملاحظاته بدقة ووثقها بالصور. وتتلخص نتائج دراسته بالتالي:
لم توجد أية أمراض انحلالية مزمنة في المجموعة الرابعة التي قدم لها اللحوم النيئة والحليب غير المبستر، فقد عاشت صحيحة سهلة القياد لمدد أطول من المجموعات الأخرى وماتت بسبب التقدم في السن. أما بالنسبة للمجموعات الأولى والثانية والثالثة والتي قدم لها أطعمة مختلطة معالجة وغير معالجة من ظهرت عليها خلال الجيل الأول أعراض أمراض انحلالية مزمنة مثل الحساسية الصدرية والجلدية والتهابات وتصلب المفاصل والسرطان وأمراض القلب والكلى والكبد واضطرابات الغدة الدرقية وأمراض الأسنان وهشاشة العظام!! وظهرت لدى الجيل الثاني من تلك القطط نفس الأمراض ولكن بصورة أكثر حدّة. وخلال الجيل الثالث ولدت صغارها ميتة أو تعاني من الأمراض وماتت خلال ستة أشهر. وخلال الجيل الرابع انتهت دراسة تلك المجموعات لأن القطط أصيبت بالعقم فلم تنجب!!!
وعند تسجيل النتائج ذكر الدكتور بوتنجر أن العامل الغذائي السائد هو "مادة متغيرة بالحرارة"، ولكنه للأسف لم يصل إلى نتيجة أنها الإنظيمات لأنه لم تتوفر معلومات كافية عنها في ذلك الحين. وخلال الثلاثينيات من القرن المنصرم وجد الدكتور ماكس وولف من نيويورك أن دم الأصحاء يحتوي على مادة قادرة على مهاجمة وتدمير الخلايا الغريبة في حين أن تلك المادة كانت تندر أو تنعدم في دم المصابين بالسرطان. ومع استمرار الأبحاث صنفها على أنها الإنظيمات فاستمر مع معاونيه في تحديد الأنواع المتعددة منها وخاصية كل منها في التحكم بالالتهابات أو تصحيح الاعتلالات الانحلالية أو القضاء على الخلايا السرطانية. وبعد سنوات طويلة من الأبحاث طرح الدكتور طريقته بالعلاج بالإنظيمات. ومنذ تلك الفترة عرف أن رفع درجة حرارة أي طعام إلى 48درجة مئوية أو أكثر لمدة 15دقيقة يقضي على الإنظيمات فيها. وقد اتضح فيما بعد أن تعريض الأطعمة لدرجات حرارة أعلى لفترات زمنية أقصر مثل البسترة لمنتجات الألبان والتعقيم للعصيرات وغيرها يقضي كذلك على فعالية الإنظيمات التي بدونها لا يستطيع الجسم هضم الطعام، فالانظيمات توجد في الأطعمة النيئة غير المعالجة فقط. وفي حالة عدم توفرها في الطعام يضطر الجسم إلى استخدام الإنظيمات التي يستعملها الجسم لمحاربة المرض (إنظيمات المناعة) وإنظيمات تشغيل أجهزة الجسم الأخرى لهضم الطعام ويجعل الجسم بدون جهاز مناعة قوي مما يعرضه للمرض ويجعل أعضاؤه ضعيفة مما يؤدي إلى تداعيها.
المصدر:
-
الرياض - العدد 14029

















